لمئات السنين ارتبط دائما ً مصير الإنسان بمدي تقدمه في العلوم البيئية والطب، وقد ساهمت التطورات التكنولوجية المتلاحقة علي مر السنين في تطوير المهن الطبية المختلفة وخلق آفاق جديدا ً واستككشافات جديدة لم يكن يعلم عنها الإنسان قط، فبات من الآن الحديث عن زراعة القلب كآخذ مضاد حيوي لعدوي بكتيرية، في حين أن التحدث عن شيء كهذا من القرن الماضي كان ضربا ً من الخيال، كذلك في عمليات زراعة المخ المستحدثة في هذه الأيام والتي ستصير طبيعية جدا ً وتتم بمعدلات كبيرة في العقود القادمة

التعلم والرغبة المحفزة له

وهنا نسلط الضوء علي عنصر هام جدا ً للطب خاصة وللبشرية أجمع، وهوالتعلم، يرتبط التعلم والرغبة المحفزة له علي كثير من التطورات الكبيرة بكافة المجالات الحياتية وخصوصا ً الطب، فالعالم الآن صار يكتشف المزيد والمزيد من الحقائق العلمية المثيرة واستحداث أساليب جديدة في علاج الأمراض والاوبئة نتيجة التعلم وإجراء المزيد من الابحاث العلمية والإكلينيكية والرغبة المستمرة في تطوير الأساليب العلاجية المختلفة

الصحة العامة

تعد الصحة العامة هي علم خالص ومهم للأطباء ويولون له إهتمام كبير، حيث أن أطباء الصحة العامة والمجتمع لهم إرتباط وثيق بتحسين الصحة وحمايتها وتقديم الخدمات الطبية المختلفة وطرق الوقاية وإزدياد الوعي المجتمعي في أزمنة الأوبئة، حيث تقع المهام والمسئوليات الكبيرة فوق رأس أطباء الصحة العامة في تثقيف الأفراد وتحسين سلوكهم اليومي وزيادة إنتاجيتهم عبر عدد من النصائح الطبية والغذائية وتغيير بعض من العادات اليومية الروتينية، ولعل هذا لم يكن ممكنا ً إن لم يستمر مقدمي هذه الخدمات في التعلم والتطور المستمر واكتساب الخبرات من الأبحاث العلمية والإحصائية.

وتعد من أشهر أساليب التعلم المتعارف عليها عالميا ً للقطاع الطبي والتعلم المباشر أثناء العمل من الاستشاريين الكبار بالمهنة، حيث يهتم كل إستشاري خاص في أحد المجالات الطبية بتبني مجموعة من شبابه وتلاميذه لنقل كافة خبراته العملية إليهم، وينعكس ذلك علي المستوي التعليمي وتشكيل الجوانب العاطفية والإدراكية لشباب المهنة عبر نقل الخبرات العملية في مختلف المواقف الصعبة، وهيا تجربة حسية شعورية مهمة تهدف لترسيخ قواعد صلبة في نفوس شبان المهنة والثبات عند المواقف الصعبة والخطرة

السياسة التعليمية

وفي هذا الصدد قد أدلي العديد من أطباء العالم بأن هذه السياسة التعليمية ساهمت كثيرا ً بتسهيل عملهم ونقلهم لمستوي آخر من الاحترافية عبر تشكيل جانب إدراكي وشعوري سابق من الخبرات السابقة للإستشاريين فباتت معظم المواقف الصعبة كروتين يومي اعتادوا عليه

البحث اليومي على جوجل

وقد أشارت بعض الإحصائيات أن معدل البحث اليومي علي موقع جوجل الشهير بخصوص المواضيع الطبية يبلغ أكثر من مليوني عملية بحث يوميًا، بينما نشر موقع ليكسي التعلمي الشهير بيانًا عن عمليات البحث المستمرة عن بروتكولات العلاج والأدوية المختلفة لما يزيد عن مليون عملية بحث يومية، ويعكس هذا مدي رغبة القطاع الطبي بتطوير الخلفية الطبية بإستمرار، وقد سهلت التكنولوجيا والتطبيقات الحديثة والشبكة العنكبوتية في كثير من أمور حياتنا بما فيها العلوم الطبية فبات من السهل الوصول لمعلومة محددة بعد أن كانت تستغرق عملية استخراج معلومة طبية العديد من الساعات وقد تصل لأيام في البحث بالمراجع الطبية المختلفة

التجارب الإكلينيكي

وتعد التجارب الإكلينيكية إحدي الطرق المتعارف عليها لتشكيل خلفية طبية عن مرض ما أومستحضر طبي جديد، حيث يعتمد الباحثون الطبيون في هذه الدراسات علي إجراء العديد من التجارب علي الحيوانات التي تشبه جينيا ً الإنسان ( القردة والفئران ) ومتابعة سلوكياتها وطرق استجابتها للتجربة، ثم تحصل النتائج علي مجموعات أكبر منها في المراحل المختلفة، ومنها تنتقل للتجارب السريرية علي البشر إذا ثبتت فاعلية التجربة علي الحيوانات، وتعد الولايات المتحدة الأمريكية هيا الدولة الأولي علي مستوي الأبحاث الطبية حيث بلغت إجمالي النفقات علي مشاريع البحث العلمي عام 2015 حوالي 436 مليار دولار فيما أتت الصين بالمركز الثاني بحوالي 377 مليار دولار والثالث الإتحاد الأوروبي ب346 مليار دولار سنويا ً

خدمة القطاع الطبي والأبحاث العلمية

وتوجه هذه الأرقام الكبيرة لخدمة القطاع الطبي والأبحاث العلمية المختلفة القادرة علي زيادة المعرفة وبناء آفاق جديدة لبعض الأمور التي لم يتطرق لها الإنسان من قبل، فعل سبيل المثال بلغت التكلفة المتوقعة لعملية زراعة المخ علي يد الجراح الإيطالي الشهير كانافيروحوالي 15 مليون دولار، وقد سبقت هذه التجربة العديد من التجارب الإكلينيكية علي القردة كلفت العشرات من الملايين لكي تصير هذه التجربة متاحة فيما بعد للإستخدام البشري، وهنا يبرز دور البحث العلمي وأهمية التعلم وإجراء التجارب الإكلينيكية المستمرة بدعم من بلدان العالم أجمع.

ولعل البيئة الصعبة التي يعيش فيها الأطباء من محاربة الأوبئة وإنقاذ حياة العديد من البشر في حالات حرجة ينعكس سلبا ً علي حياتهم اليومية، حيث ذكرت واشنطن بوست أن 30 % من أطباء العالم علي الأقل يعانون من نوبات إكتئاب متكررة مع أمراض القلق المستمر والأرق، فبات من الصعب علي عدد كثير منهم المواصلة في تقديم الخدمة الطبية المطلوبة وتطوير ذاته بصورة مقبولة

جمعية الأطباء الأمريكية

فدعت جمعية الأطباء الأمريكية إلي ضرورة تحسين الظروف المعيشية للأطباء وتوفير بيئة عمل أفضل لهم خالية من الضغط النفسي وساعات العمل الغير آدمية التي أثرت علي مستوي الخدمات الطبية المختلفة المقدمة لعموم الشعب الأمريكي، حيث يعاني الأطباء بأمريكا خاصة ً وبالعالم أجمع في ظل هذا الوباء الحالي من تردي الخدمات الطبية المقدمة نتيجة الضغط المتواصل علي المستشفيات والتفشي المستمر والمتغلغل للفيروس بجميع أنحاء العالم.

إقرأ أيضا : إصابات ووفيات حالات فيروس كورونا: هل اللون والجينات تلعب دورًا بها؟